الشنقيطي

309

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله : فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم * كشبه سراب بالملا متألق فقوله « لعلنا نكف » يعني « لأجل أن نكف » ، وكونها للتعليل لا ينافي « معنى الترجي » ، ولأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته . قوله تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [ 46 ] الآية . نهى اللّه جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع ، مبينا أنه سبب الفشل ، وذهاب القوة ، ونهى عن الفرقة أيضا في مواضع أخر ، كقوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] ، ونحوها من الآيات ، وقوله في هذه الآية : وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي قوتكم . وقال بعض العلماء : نصركم ؛ كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالبا ، ومنه قوله : إذا هبت رياحك فاغتنمها * فإن لكل عاصفة سكون واسم « إن » ضمير الشأن . وقال صاحب الكشاف : الريح : الدولة ، شبهت في نفوذ أمرها ، وتمشيه بالريح في هبوبها ، فقيل : هبت رياح فلان ، إذا دالت له الدولة ، ونفذ أمره ، ومنه قوله : يا صاحبي ألا لا حي بالوادي * إلا عبيد قعود بني أذوادي أتنظران قليلا ريث غفلتهم * أم تعدوان فإن الريح للعادي قوله تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ . . . إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ [ 48 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار ، وخدعهم ، وقال لهم : لا غالب لكم وأنا جار لكم . وذكر المفسرون : أنه تمثل لهم في صورة « سراقة بن مالك بن جعشم » سيد بني مدلج ابن بكر بن كنانة ، وقال لهم ما ذكر اللّه عنه ، وأنه مجيرهم من بني كنانة ، وكانت بينهم عداوة ، فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ، عندما رأى الملائكة وقال لهم : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، فكان حاصل أمره أنه غرهم ، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك ، ثم تبرأ منهم . وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في آيات كثيرة ، كقوله : كَمَثَلِ